مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

49

الواضح في علوم القرآن

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا [ الأنعام : 33 - 34 ] . قال أبو شامة : « فإن قيل : ما السرّ في نزول القرآن منجما ؟ وهلّا أنزل كسائر الكتب جملة ؟ قلنا : هذا سؤال قد تولّى اللّه جوابه فقال تعالى : كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ أي لنقوي به قلبك ، فإن الوحي إذا كان يتجدّد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشدّ عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز ، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة ، ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقياه جبريل » « 1 » . 2 - تيسير حفظ القرآن وتسهيل فهمه : وذلك لأن القرآن نزل على أمة تغلب فيها الأمية ، فلا تعرف القراءة والكتابة ، وإنما سجلها ذاكرتها ؛ قال تعالى في إثبات ذلك : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ الجمعة : 2 ] . فكان من رحمة اللّه بهذه الأمة أن يسّر لها حفظ القرآن وسهّل عليهم فهم آياته التي تنزل مفرقة خلال فترات متقطعة من الزمن فيحفظونها ويفهمونها . وكأن القرآن بنزوله منجما رسم للصحابة الكرام منهجا تعليميا طبقوه في حياتهم وتوارثه عنهم التابعون وهو التعلّم التدريجي . أخرج البيهقي في ( شعب الإيمان ) عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : تعلموا القرآن خمس

--> ( 1 ) الإتقان في علوم القرآن ( 1 / 134 ) طبعة دار ابن كثير 1414 ه ، وأبو شامة : هو عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي فقيه شافعي ، له كتاب « المرشد الوجيز فيما يتعلق بالقرآن العزيز » توفي سنة ( 665 ه ) .